2 - «أَبْطَأُ مِنْ قَاض»
2 - «أَبْطَأُ مِنْ قَاض»



وهوَ مَثَلٌ يُقَالُ فِيْمَنِ انْتَـهَجَ التَّسْوِيْف، وتَقَاعَسَ عَنْ حَمْلِ الثَّقِيْلِ والـخَفِيْف، وأَجَّلَ أَعْمَالَ النَّاسِ وأَعْمَالَه، وشَكَا مَنْ حَوْلَهُ إهْمَالَه، والقُضَاةُ رِجَال أُنِيْطَ بِـهِمُ العَدْل، وانْتُظِرَ مِنْهُمُ الـخَيْرُ والفَضْل، وقَدْ يُبْتَـلَى بِـبَعْضِهِمُ القَضَاء، فيُشَوِّهُوْنَ وَجْهَهُ الوَضَّاء، ولِذا قَالَ عَنْهُمُ المُصْطَفَى المُخْتَار:، قَاضٍ في الـجَنَّةِ وقَاضِيَانِ في النَّار، وهُمْ عُصْبَةٌ قَلِيْلَةُ الإحْسَاس، لا تُرَاعِي مَصَالِحَ النَّاس، يَبْدُوْنَ بِوُجُوْهٍ كَالِـحَة، ولِسِيْرَتِـهِمْ أَنْتَنُ رَائحَة، يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ التَّكَبُّرُ والصَّلَف، ولَوْ وَزَنْتَـهُمْ لَـمْ يَزِنُوا الـخَزَف.



وأَصْلُ المَثَلِ أَنَّ شَابّاً رَاجَعَ المَحْكَمَة، لِيَرْفَعَ فِيْها عَلَى خَصْمِهِ مَظْلَمَة، وكَانَ خَصْمُهُ قَدْ نَـهَبَهُ مَالَه، وحِيْنَ وَاجَهَهُ أَنْكَرَ مَا لَه، ومَعَ الفَـتَى أَوْرَاقٌ تُثْبِتُ ما ادَّعَاه، وشُهُوْدٌ يُؤكِّدُوْنَ صِدْقَ دَعْوَاه، فأُحِيْلَ إلى قَاضٍ بَادِي البِطْنَة، مُقَطِّبِ الـجَبِيْنِ قَلِيْلِ الفِطْنَة، فلَـمَّا مَثَلَ أَمَامَه، وأَهْدَاهُ سَلامَه، رَمَقَهُ القَاضي بِعَيْنِ المُسْتَرِيْب، كَمَا يَرْمُقُ فَرِيْسَتَهُ الذِّيْب، ثُمَّ مَضَى يُـخْبِرُهُ عَنِ القَضِيَّة، وعَمَّا لاقَاهُ مِنْ أَذِيَّة، وقَدَّمَ لَهُ الأَوْرَاقَ والشُّهُوْد، ثُمَّ قَاطَعَهُ القَاضي بَعْدَ هُجُوْد، وقَالَ: كُفَّ عَنِ الكَلام، وأَحْضِرْ خَصْمَكَ بَعْدَ عَام، فحِيْنَ اسْتَكْثَرَ الفَـتَى المُدَّة، طَرَدَهُ القَاضي شَرَّ طِرْدَة، بَعْدَ أَنْ نَكَّلَ بِهِ كُلَّ تَنْكِيْل، وضَاعَفَ لَهُ مُدَّةَ التَّأْجِيْل، ثُمَّ أَقْبَلَ الفَـتَى في المَوْعِدِ المَضْرُوْب، ولَـمْ يَسْتَطِعْ إحْضَارَ خَصْمِهِ المَطْلُوْب، فأَمْهَلَهُ القَاضي عَامَيْنِ آخَرَيْن، فشَكَرَهُ ودَمْعُهُ يُسَابِقُ العَيْن، فصَاحَ القَاضي: أَتَسْخَرُ بِي يَا غُلام؟، مَوْعِدُكَ إذَنْ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَعْوَام.



ومَرَّتْ تِسْعَةُ أَعْوَامٍ وهوَ يُرَاجِع، ويَكْتُمُ في أَحْشَائهِ الأَسَى والمَوَاجِع، فلا هُوَ اسْتَطَاعَ إحْضَارَ خَصْمِه، ولا القَاضي هَمَّ بِإصْدَارِ حُكْمِه، وفي العَامِ العَاشِرِ مِنَ المُرَاجَعَات، اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ مَـجْمُوْعَةَ فُتُوَّات، واقْتَادَ خَصْمَهُ إلى القَاضي، ونَسِيَ كَرْبَ سِنِيْهِ المَوَاضي، ودَخَلَ مَـجْلِسَهُ الذي يَعْرِفُه، فوَجَدَ قَاضِياً آخَرَ يَـخْلِفُه، فسَأَلَهُ عَنْ قَاضِيْهِ في انْدِهَاش، فأَخْبَـرَهُ أَنَّهُ أُحِيْلَ إلى المَعَاش، وحِيْنَئذٍ بَادَرَ الـخَصْمُ اللَّئيْم، يَشْكُو لِلْقَاضي عُنْفَ الغَرِيْم، وأَنَّهُ قَادَهُ إلَيْهِ بِالقُوَّة، ولَـمْ يَسْلُكِ الطُّرُقَ المَرْجُوَّة، فمَا لَبِثَ القَاضي الـجَدِيْد، أَنْ كَبَّلَ الغَرِيْمَ بِالـحَدِيْد، وأَمَرَ الـحُجَّابَ بِحَبْسِهِ وجَلْدِه، حَتَّى يَشْكُوَ السَّوْطُ مِنْ جِلْدِه.



ولَـمَّا اسْتَوْفَى الرَّجُلُ كَامِلَ عُقُوْبَتِه، جَدَّدَ إلى القَاضي رَفْعَ خُصُوْمَتِه، فصَنَعَ بِهِ صَنِيْعَ القَاضي السَّابِق، وأَلْزَمَهُ بِإحْضَارِ خَصْمِهِ الآبِق، ومَرَّتْ عَلَيْهِ الشُّهُوْرُ والسَّنَوَات، وشَاخَ الرَّجُلُ وخَصْمُهُ مَات، فأَوْصَى بَنِيْهِ أَنْ يُطَالِبُوا وَرَثَـتَه، وأَنْ يُـحْضِرُوا أَوْرَاقَهُ ومِـحْبَـرَتَه، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِكِتَابَةِ مَا أَحْرَقَ أَعْمَاقَه، وأَمْلَى وهوَ عَلَى كُرْسِيِّ الإعَاقَة:



إلَى اللهِ أَشْكُو ضَعْفَ حَالِي وَحِيْلَتِي *** وَمَا ضَاعَ مِنْ مَالِي وَمِنْ عُمْرِيَ المَاضي



فَيَا لَيْتَ أَنِّي أَسْتَعِيْضُ بِمَا مَضَى *** مِنَ المَالِ عُمْراً لَسْتُ عَنْهُ بِمُعْتَاضِ



دُهُوْرٌ مِنَ الـخِذْلانِ مَرَّتْ بَطِيْئةً *** وَمَرَّ شَبَابِي بَيْنَـهَا مِثْلَ إيْمَاضِ



وَخَلَّفَنِي يَأْسِي كَسِيْفاً مُعَذَّباً *** أُعَانِي مَرَارَاتِي وَكَثْرَةَ أَمْرَاضي



سَعَيْتُ إلى حَقِّي فَمَاطَلَنِي بِهِ *** قُضَاةٌ أَرَوْنِي مِنْهُمُ كُلَّ إعْرَاضِ



فَعُدْتُ عَلَى الأَعْقَابِ مُضْطَرِبَ الـخُطَى *** وَهَا أَنَذَا نِضْوٌ أُلَـمْلِمُ أَنْقَاضي



ظَمِئْتُ فَأَغْرَانِي سَرَابٌ مِنَ المُنَى *** ظَـنَـنْتُ بِهِ رِيّاً، فَيَا طُوْلَ تَرْكَاضي!



فَلَمْ أَرْوِ مِنْ وِرْدِ القُضَاةِ حُشَاشَتِي *** ولَـمْ يَسْقِ مَاءُ العَدْلِ يَابِسَ أَحْوَاضي



صُدُوْدٌ وَتَسْوِيْفٌ وَطُوْلُ تَـجَهُّمٍ *** وَزَجْرٌ وَتَـهْدِيْدٌ وَنَظْرَةُ إبْغَاضِ



فَلِلَّهِ مَا لاقَيْتُ مِنْ سُوْءِ بَعْضِهِمْ! *** وَلِـلَّـهِ كَمْ يُبْلَى القَضَاءُ بَعَضَّاضِ!



يُرِيْكَ إذا مَا جِئْتَهُ كُلَّ جَفْوَةٍ *** كَأَنَّكَ مِنْهُ آمِلٌ بَعْضَ إقْرَاضِ



يُشَوِّهُ شَرْعَ اللهِ شَكْلاً وَمَـخْبَراً! *** وَيَزْهُو بِـبُـرْدٍ حَاسِرٍ عَنْهُ فَضْفَاضِ!



رَضِيْتُ بِشَرْعِ اللهِ حُكْماً مُنَـزَّهاً *** وَمَا أَنَا عَمَّنْ شَوَّهَ الشَّرْعَ بِالرَّاضي



فَلا تَعْذِلُوْنِي لَوْ تَـبَاطَـأَ بِي الأَسَى *** وَصِحْتُ بِأَعْلَى الصَّوْتِ: أَبْطَأُ مِنْ قَاضي



هذه المقالة منشورة في الشنكبوتية
http://www.toarab.ws

والرابط لها :
http://www.toarab.ws/modules.php?name=Sections&op=viewarticle&artid=6