على الضفاف
منذ ستة عشر قرناً والعرب يحترفون الكلمة، ويصوغون من جمالياتها فنونا، ومن فنونهم تلك أمثالهم الفائقة الدالة على مقدرتهم في التكثيف الدلالي، والاختزال اللفظي، ولذا حرص أوائل الأدباء والمهتمين على جمع بعض شتاتها، فأثبتوها في مصنفات خاصة، وقرنوها بالشروح، وأردفوا ما أمكن منها بخبره وقصته.

ولي في هذا المجموع المحدود مقاربة مختلَقة تقتفي الشكل السالف، وتحاذي مضمونه التوجيهي، بلغة أكثر وضوحا، وصياغات إخالها سَلِسة، وتضيف إليه مسحة فكاهة وسخرية، ولا أنكر أن هذه المسحة هي الركيزة التي عَلَّقْت عليها سائر الأهداف، وجَعَلْت منها الطُّعْم الذي يغري المتلقي باقتفائه.

والأمثال في مجموعها مستخلصة من مناحي حياتنا المعاصرة التي وجدت فيها ما هو جدير بالالتفات، وأنوه إلى أن هذه الأمثال ليست إلا مجرد انعكاس عن الواقع العام بحسنه وسيئه، ولا تعني في جملتها أنها انعكاس عن واقع خاص قريب، عدا المثل الأخير الذي مزجت فيه بين واقعين، ثم أودعت فيه إيضاحاً واعتذاراً لمن قد يلمس في بعض الأمثال انتقاداً لفئات، أو تزكية لأخرى.

وفي مجموعي هذا ثلاثون مثلاً تضمنت ثلاثين قصيدة بأبيات عدتها ثلاثمئة وخمسة وستون بيتا، وقد تفاوتت الأمثال طولاً وقصراً حسب سعة أخبارها، على أن معظمها متقارب نسبيّا، ورتَّبتها ترتيباً هجائيّاً آليّاً حسب بداية كل مثل، بغض النظر عن جذر أوله وزياداته.

وقد انتهجت منهجاً موحداً جرت عليه جملة من الأمثال القديمة؛ فابتدأت بنص المثل، ثم أوردت السياق الذي يُضرب فيه، مع شرح ما يحتاج إلى شرح من مفرداته، يلي ذلك أصل المثل المتضمِّن قصته المفتعلة، وختمته بأبيات شعرية يشتمل أحدها على المثل الوارد، وعلى هذا فالغالب أن أبطال الأمثال شعراء انتقاديون مثاليون، وهذا من الإمعان في الخيال والتجنيح.

ولما كانت مقاربتي انعكاساً عن التراث في شكله، وعن المعاصرة في مضمونها، آثرت أن أجمع بين أبرز خصائصهما الأدبية في الكتابة؛ فجئت بالمتن مسجوعا، وضبطته بالشكل ضبطاً تامّاً إلا في مواضع الوقف، ثم سقت ذلك كله في مضمار سهل ممهد، فلم أوغل في تعقيد لغوي ولا بياني، ولم أعتمد من الألفاظ والصياغات إلا ما خلته قريباً من متوسطي الثقافة والاطلاع.

وآمل أن تؤدي محاولتي هذه أهدافها التي جعلتها نصب عينيّ قبل البدء وأثناءه، وعلى رأس أهدافي تلك تقريب متميزي الناشئة، وغير المتخصصين في حقول الأدب إلى جميل التراث، وصالح المعاصرة، بطريقة حكائية محببة تغري بسخريتها ولذعها، إضافة إلى نقد بعض المظاهر الخاطئة التي تعم المجتمع العربي على وجه الخصوص.

ومن الإنصاف أن أشكر من وقف معي مقترِحاً ومراجِعاً ومشجِّعا، فلهم مني وافر الامتنان، وصادق العرفان، وأخص زميلي الكريم الدكتور: بدر بن محمد الراشد الذي انتشل هذا العمل من أخطاء الطباعة، وهنات اللغة، وأشكر أيضاً الزميلة الفاضلة والقاصة المبدعة الأستاذة: منى بنت إبراهيم المدي?هش التي أسبغت على الأمثال سربالين من حس وحدس، فصممت الغلافين وقد أشربتهما الفكرة ظاهراً وباطنا، ولو امتد بي نشاط قادم لأفردتهما وغيرهما بمثل يكشف عن نُبلهم، ويُعَرِّي قصوري معهم، كما لن تفوتني الإشادة الطُّوْلَى بصاحب البذرة الأُوْلَى الذي أفدت منه ما لا أحصي منافعه في هذه الأمثال وغيرها، وهو فارس المقامات أبو محمد القاسم بن علي الحريري (ت?: 516ه?- 1122م) عليه من الله شآبيب الرضوان والرحمة.

بقي أن أقدم اعتذاري إلى من قد يستشعر في بعض الأمثال غمزاً أو إساءة، وأؤكد له ولغيره أنني محسوب -بشكل أو آخر- على معظم النماذج الواردة، وأنني في أحيان أخرى قد أتمثل نفسي الشخصية المنقودة، فأصوغ المثل وخبره على هذا الأساس، بعد أن أضفي عليه جوانب من التهويل والمبالغة.

هذا، وأحمد الله سبحانه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه.



فواز بن عبدالعزيز اللعبون

الرياض

alrsad@hotmail.com

28/4/1428ه?

15/5/2007م





هذه المقالة منشورة في الشنكبوتية
http://www.toarab.ws

والرابط لها :
http://www.toarab.ws/modules.php?name=Sections&op=viewarticle&artid=4