16 - «بَوَارٌ وَلا بَوَارُ الفَصِيْح»
16 - «بَوَارٌ وَلا بَوَارُ الفَصِيْح»



وهوَ مَثَلٌ يُقَالُ فِيْمَنْ قَعَدَ بِهِ حَظُّه، وارْتَدَّ عَلَيْهِ في الضِّيَاءِ لَـحْظُه، وكَانَ ذَا حَسَبٍ واقْتِدَار، ورَايَةٍ لا يُشَقُّ لَـها غُبَار، والفَصِيْحُ نَعْتٌ لِـمُضْمَرٍ ضَامِر، تَقْدِيْرُهُ: الشِّعْرُ أَوِ الشَّاعِر.



وأَصْلُ المَثَلِ أنَّ رَجُلاً فَـتَحَ اللهُ عَلَيْه، وجَعَلَ الشِّعْرَ طَوْعَ لِسَانِهِ ويَدَيْه، وكَانَ في زَمَنٍ كَثُرَ فيهِ اللُّكَنَاء، وغَلَبَ أَمْرُهُمْ عَلَى الفُصَحَاء، فكَانَ كُلَّـمَا أَنْشَدَ شَيْئاً مِنْ شِعْره، أُلْقِمَ حَجَراً في ثَغْرِه، وكُلَّـمَا بَعَثَ قَصِيْدَةً إلى المَجَلات، وضَعُوْها في سَلَّةِ المُهْمَلات، وكُلَّـمَا غَنَّى بِشِعْرِه عِلْيَةَ القَوْم، أَسْلَمُوا عُيُوْنَـهُمْ لِلنَّوْم، وَسِوَاهُ يَـحْظَى بِأَثْمَنِ الـجَوَائز، حِيْنَ يَـرْطُنُ رَطَانَـةَ العَجَائز، ويُقَدَّمُ في كُلِّ المُـنَاسَبَات، وهوَ يُـرْمَى عَلَى العَتَـبَات.



وقدْ ضَاعَفَ مِنْ هَمِّه، وزادَ في ضُمُوْرِهِ وسُقْمِه، أنَّ لهُ ابْنَةً اسْمُها دَلال، وكانَتْ آيةً في الـجَمَـال، وتَـتَنَاقَلُ صِفَاتِـها الأَلْسِنَة، بَيْدَ أنَّـها بَلَغَتْ ثَلاثِيْنَ سَنَة، ولَـمْ يَطْرُقْ بَابَـها خَاطِب، ولا اقْتَـرَبَ مِنْ شَجَرَتِـها حَاطِب، وكانَتْ لَـها جَارةٌ قَبِيْحَةُ الشَّكْل، عُرِفَتْ بِـبَذَاءةِ القَوْلِ والفِعْل، وصِيْتُها سَـيِّءٌ خَامِل، وفي وَجْهِها ثَـآلِيْلُ ودَمَامِل، وليسَ لَـها عَنِ النَّاسِ حِجَاب، وخُطّابُـها حَوْلَـها مِنْ كُلِّ بَاب، فَمُذْ رَأَى الشاعرُ فَلْذَةَ كَبِدِه، تَبْكِي لِكَمَدِها وكَمَدِه، رَبَتَ عَلَى كَتِفِها وذَهَب، وأَحْضَرَ الدَّوَاةَ وكَتَب:



اسْفَحِي يا دَلالُ دَمْعَكِ وابْكِي *** وتَشَكَّي جَوْرَ الزَّمَانِ القَبِيْحِ



خَفِّفِي بِالبُكَاءِ حُزْنَكِ هَذا *** وَأَرِيْـحِيْنِي مِنْ ضَنىً وَاسْتَـرِيْـحي



بَادِلِيْنِي الشَّجَا أُبَادِلْكِ ضِعْفاً *** لَيْسَ يَـجْرِي السَّفِيْنُ مِنْ غَيْـرِ رِيْحِ



وَهَلُمِّي إلَـيَّ نَشْكُ انْتِكَاساً *** وَجُـمُوْداً مِنَ النَّصِيْبِ الشَّحِيْحِ



فَكِلانَا لَهُ مُصَابٌ، وَيُـخْفِي *** في حَشَاهُ أَنِيْنَ قَلْبٍ جَرِيْحِ



يَقْعُدُ الـحَظُّ بِالـجَدِيْرِ! ويَسْعَى *** بِالأَمَانِي الـحِسَانِ نَحْوَ الكَسِيْحِ!



رَدِّدِي مِثْلِي: إنَّنَا في زَمَانٍ *** ذَائدٍ عَنْ نَطِيْحَةٍ وَنَطِيْحِ



يَا كَسَاداً وَلا كَسَادَ دَلالٍ! *** وَبَوَاراً وَلا بَوَارَ الفَصِيْحِ!



هذه المقالة منشورة في الشنكبوتية
http://www.toarab.ws

والرابط لها :
http://www.toarab.ws/modules.php?name=Sections&op=viewarticle&artid=20