9 - «أَشْكَلُ مِنْ حَدَاثِيّ»
9 - «أَشْكَلُ مِنْ حَدَاثِيّ»



وهوَ مَثَلٌ يُقَالُ فِيْمَنْ كَثُرَتْ طَلاسِمُه، وأَشْكَلَتْ عَلَى الأَفْهَامِ تَـمَاتِـمُه، والـحَدَاثِيُّ رَجُلٌ لا يَعِي ما يَقُوْل، ولا تَصِلُ إلى هَذْرِهِ العُقُوْل، يَكْتُبُ لِنَفْسِه، ويَتَـبَرَّأُ مِنْ أَمْسِه، كَثِيْرُ الانْتِقَادِ والضَّجَر، ويَـرَى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ البَشَر، نَاقِدُهُ في رَأْيِهِ رَجْعِيّ، وهوَ بِطَبْعِهِ نَفْعِيّ.



وأَصْلُ المَثَلِ أنَّ شَابّاً أَحَبَّ الأَدَب، وبَذَلَ في جَنْيِ رَحِيْقِهِ ودَأَب، فمَرَّ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الأَعْلام، وأَخَذَ عَنْهُمْ ما يَرْوِي الأُوَام، فما انْكَفَأَ عَلَى مَذْهَب، ولا اكْتَفَى مِنْهُ بِمَشْرَب، فجَمَعَ مِنَ الأَدَبِ المَحَاسِن، وانْتَقَى مِنَ المَـنَاجِمِ المَعَادِن، فسَمِعَ عَنْ رَجُلٍ وَاسِعِ الذِّكْر، لَهُ مُصَنَّفَاتُ نَقْدٍ وشِعْر، فأَمَّهُ وقَصَدَه، وأَعْلَمَهُ مَقْصَدَه، والْتَـمَسَ مِنْهُ الوِفَادَة، وتَـحْصِيْلَ الإفَادَة، فمَا لَبِثَ الرَّجُلُ أنْ رَمَقَهُ شَزْرا، وأَطْرَقَ مَرَّةً وصَعَّدَ أُخْرَى، ثُمَّ اسْتَرْسَلَ يَقُوْل، وفي الفَرَاغِ يَـجُوْل:



يَـجِبُ أَوَّلاً أَنْ تَـتَخَلَّصَ مِنَ الرُّفَات، وتَنْقَطِعَ عَنْ شُيُوْخِكَ النَّكِرَات، وتَـمْسَخَ أَفْكارَكَ البَالِيَة، وتَـتَجَرَّدَ مِنْ أَنَاكَ العَالِيَة، فحِيْنَ تَـتَـبَلْوَرُ في بَوْتَقَة، سَتُدْرِكُ السِّيَاقَاتِ والأَنْسِقَة، ولَنْ يَكُوْنَ لَكَ صِيْت، قَبْلَ أنْ تَفْهَمَ التَّفْتِيْت، ولا غِنىً لَكَ عَنِ التَّمَظْهُر، وحَلِّ شَفْرَةِ (الـهَمْبُرْغُر)، فكُلُّ المَـنَاهِجِ التَّارِيْـخَانِيَّة، تُعْوِزُهَا الدِّيْنَامِيْكِيِّة الظَّاهِرَاتِيَّة، ومُؤَسِـسُ سُلْطَتِهَا شَطَح، في إسْقَاطَاتِ المُصْطَلَح، ولا سِيَّـمَا أنَّ النَّاقِدَ (فِيْبَـرِغْلاس)، لَـمْ يَطَّلِعْ عَلَى نَظَرِيَّةِ هِيْمُوْرَاس، وظَلَّ في صِرَاعٍ مُشْتَبِك، مَعَ الرِّوَائيِّ (مُوْفِنْ بِك)، ومَعَ أنَّـهُما أفَادَا مِنَ التَّشَكُّلاتِ الإمْبِرْيَاقِيَّة، إلاّ أنَّـهُما يَفْتَقِرَانِ إلى الشَّفَافِيَّة، ولَـهُما مِنْ (كِرِسْتِيَنْ دُيُوْر)، مَوْقِفٌ تَأَزُّمِيٌّ مَشْهُوْر، فَالسِّيْمِيُوْطِيْقِيَا في رَأْيِـهِما مُؤَشِّرَات، وهَذَا هُوَ رَأْيُ (دَانْكِنْ دُوْنَات)، ومَهْمَا يَكُنْ بَيْنَهُمْ مِنِ انْشِطَاح، فهُمْ يَتَّفِقُوْنَ عَلَى مَبْدَأِ الانْـزِيَاح، مَعَ أنَّ المُـتَخَيَّلَ النَّصَّانيّ، يَتَقَاطَعُ مَعَ التَّمَحْوُرِ الزَّمَكَانيّ.(1)



وما زَالَ الرَّجُلُ يَبْـرِمُ ويَفْتُل، ويَمُطُّ شِدْقَيْهِ ويَسْعُل، ويَرْفَعُ نَظَّارَتَهُ ويَضَع، ويَشْبِكُ يَدَيْهِ ويَدَع، والفَـتَى أَثْنَاءَ ذَلِكَ يُبْدِي سَأَمَه، ويَفْغَرُ في وَجْهِ الشَّيْخِ فَمَه، فمَا أَحَسَّ بِهِ ولا دَرَى، إلاّ حِيْنَ فَارَقَهُ وجَرَى، ولَـمَّا خَفَّ عَنْهُ الذُّهُوْل، أَنْشَأَ مِنْ فَوْرِهِ يَقُوْل:



أَلْقَانِيَ الرَّأْيُ التَّعِيْسُ عَلَى امْرِئٍ *** تَـتَنَافَرُ الكَلِمَاتُ في أَوْصَافِهِ



خَالِي الفِنَاءِ مُرِيْبَةٌ لَفَـتَاتُهُ *** مُسْتَوْحِشُ النَّظَراتِ مِنْ أَضْيَافِهِ



لازَمْتُهُ أَبْغِي جَنَاهُ فَخَصَّنِي *** بِحَدِيْثِ مَسْلُوْبِ الإرَادَةِ تَافِهِ



أَرَأَيْتَ أَشْكَلَ مِنْ حَدَاثِيٍّ إذا *** لاكَ الكَلامَ، وَهَزَّ مِنْ أَعْطَافِهِ؟



يَـهْذِي بُمُلْتَبِسِ الكَلامِ، فَقُلْ لِمَنْ *** رامَ التَّشَعْوُذَ وَالكَهَانَةَ: وَافِهِ



لَوْ لَـمْ أَقُلْ وِرْدِي غَدَاةَ أَتَيْتُهُ *** لَـخَرَجْتُ مَـحْمُوْلاً عَلَى أَكْتَافِهِ



لَـمْ أَدْرِ مَا مَغْزَاهُ مِنْ تَـمْطِيْطِهِ *** شِدْقَيْهِ وَهْوَ يَلُجُّ في إرْجَافِهِ



يَزْهُو بِمُصْطَلَحَاتِهِ، وَيَسُوْقُ لِي *** أَعْلامَهَا، وَيَـحُطُّ مِنْ أَسْلافِهِ



وَشْـيٌ مِنَ التَّغْرِيْبِ مُلْتَحِفٌ بِهِ *** وَيَظُنُّ أنَّ الوَعْيَ تَـحْتَ لِـحَافِهِ



قَدْ حَيَّـرَتْنِي مِنْهُ كُلُّ عِبَارَةٍ *** وَعَيِـيْتُ كُلَّ العِيِّ عَنْ أَهْدَافِهِ



-------



(1) قَالَ الرَّاوِي: أَقْحَمَ الـحَدَاثِيُّ الأَسْمَاءَ المُحَاطَةَ بِقَوْسَيْنِ تَـمَادِياً في الاسْتِعْرَاض، وإلاّ فهيَ أَسْمَاءٌ أَجْنَبِيَّةٌ لِبَعْضِ الأَطْعِمَة، والمُنْتَجَاتِ التِّجَارِيَّة.



هذه المقالة منشورة في الشنكبوتية
http://www.toarab.ws

والرابط لها :
http://www.toarab.ws/modules.php?name=Sections&op=viewarticle&artid=13